التخطي إلى المحتوى الرئيسي

دعني أُسمِعك أخباري

“- مو ذا عايشة؟
- وَطْيَة جايبنها بدر وحليله، رابَ مغواها”*
أجابت جدّتي بفرح يوم سألها جدّي عمّا ترتديه وتتبختر به.
ولم أنسَ بسمتيهما ذاك المساء.
ـــــــ


- كانت أربعاءً مشمسة، كنتُ أرتدي نظارةً شمسية يُطلق عليها أبي: النظارة البايخة؛ لأنها ثُمانيّة ولونها كجلد صرصور، ويقول أنها موضة الثمانينات. يضحكني وصف أبي للأشياء بـ"بايخة"، أعني، ما معنى "البياخة" لغويًا أصلًا؟ لا أعرف لكنني متأكدة تقريبًا أن رائحة الرَّيحان التي كنت أحشُرُه بها في صباحات المدرسة لم تكن لها علاقة بالبياخة. وكان يقول "غشّيتينا بذا الريحان البايخ”. وكنت أضحك وأستمرّ في قطفه كل صباح.
أنزل من السيارة على أرضِ الجامعة تلكَ الأربعاء ويُشير أبي قائلًا: “كلية الطب في ذلك الاتجاه. تعرفين صح؟ أين ومتى ألتقيك؟” أُجيب: سأكون في المكتبة ريثما تُنهي محاضرتك. “اتفقنا إذًا، يلا..”
ينطلقُ هو باتجاه كلية العلوم وأنطلق بالإتجاه الذي أشار لي إليه. أرسل لأروى أنني هنا فهلّنا أن نلتقي؟
ألتقي أروى بعد دقيقتين من دخولي الكلية، أروى إنسانة طيّبة وجميلة، وتُحب الشِّعر وأنا أحبّها. تُخبرني أن لديها محاضرةً في المبنى المقابل، أقول بثقّة “هيا أرافقكِ وأعود!” تقول أنها تخشى أن أضيّع طريق العودة. نتفّق على أن توصلني إلى المكتبة الطبية ثم تذهب.
أحب هذا المكان.. مكتبةٌ وسط كلية الطب (أم تُراها في طرفها وأنا أضيّع الاتجاهات كالعادة؟).
ظهورٌ منحنية ووجوهٌ قلقة، كراسٍ عليها معاطف بيضاء. الله، طلاب طب كُثُر، أحب أن يتشارك الجميع الهم نفسه، أشعر أنّ تشاركه يخفف من وطأته.
بعد أن ارتديتُ السماعة واستمعتُ لقصيدةٍ مطلعها “بيني وبينَ هَوايَ حربُ غِلابِ” وفكرت في ذاك كله، ألمح جسدًا يقترب، زهراااء! أقوم وأحتضنها.

لا أعرف إن كانت الزهراء تشعر، لكني أحب أن أسمعها وهي تحكي يوميّاتها وشكواها وما الذي فكّرت به واحتارت منه (واجد، و ا ج د). ولستُ واثقة أبدًا ولا حتى ٥٪ أنها تستمتع وهي تسمعني أتحدث كما أفعل أنا حين تتحدث هي، لكنه حقيقي. أعود بعد حديثها كأني عبّأت تجويفًا داخلي لتوّي. لن أقول لها طبعًا. لن تفهم على ما أعتقد.

يُعجبني أن أكتب في مكانٍ سرّي ما أشعر به تجاه الناس ولا أظن أنهم سيفهمونه؛ نحنُ نملك أشخاصًا رائعين ليسوا بالضرورة أذكياء لغويًا وعاطفيًا.
يُعجبني أن أحنّط الأحداث العابرة وأعود لقراءتها بعد مدّة.
ـــــــ


- ظُهر الإثنَين، قبل شهرين:
أكتبُ وغيداء (أختي الصغيرة) متّكئةٌ على كتفي مُغمِضةً عينيها معقودةَ الحاجبين وسط ضجيج صالة الانتظار. رافقتُها اليوم لموعد فحصِ نظرها في المستشفى، ويبدو أن قصر النظر ليس مشكلة غيداء الوحيدة. قالت الطبيبة أنّ لديها مشكلةً في التفريق بين الألوان وأشياء أخرى لم أفهمها تمامًا.
*انقطعت مرارًا وأنا أكتب كلما نادَوا اسمها*
لستُ متأكدةً أني ركّزتُ في كل شيءٍ قالته الممرضة، ماذا سأقول لوالِدَيّ القلِقَين حين نعود؟ أظنني كنتُ أراقب تصرفات وإيماءات الطبيبة أكثر مما استوعبتُ الذي قيل. الله، أحب كيف تؤدي عملها، وكيف تبتسم لغيداء العنيدة، وكيف تتنهّد إرهاقًا لكن تتحمّل.
رغم أن غيداء تتذمّر منذ ساعتين بالضبط فوق رأسي بسبب رغبتها في النوم والأكل والاستلقاء والتوقف عن دخول غرف الأطباء واحدًا تلو الآخر لأجل قطرةٍ أو فحصٍ سريع؛ ما زلتُ مستمتعة.
آخ، أتأمل الهوّة بين الماضي وبين ما أنا عليه الآن وبين ما سيحدث..
وأفكّر في الكثير لكن غيداء الآن مقبلةٌ على البكاء. سأكون الأم المصغّرة الصبورة اليوم، وطالبة الطب الشغوفة بتصرّفات الأطباء وتعاملهم مع كل شيء.
ـــــــ

- العاشرة وسبعُ دقائق ليلًا.
أستلقي محاربةً النعاس وأقرأ أبيات "وغاب أبي وما أبقى سِوى ذكراه في وجعي..”
وبيني وبين أبي جِدار. أُنصِت عبر بابي رُبع المفتوح إليه وهو يُجيب على أسئلة غيداء اللامُنتهية، بصبر، بِحُب.
أشعرُ بغصّة بلا سبب منطقيّ. أتخيّل اليوم الأول في حياةِ إنسان -أيُّ إنسان- ووالدهُ ليس فيها.. پليز. ليس وقتًا مناسبًا. لما أفكّر في الأمر أصلًا؟ أكره هذا. لا أعرف لما أصِرّ على تقمّص شعور أي يتيم أصادِفه.
ـــــــ


- الأمر حقيقي. ابتعتُ من معرض الكتاب الماضي هيكلًا عظميًا شعرتُ أنني لا بد أن أبتاعه، حتى لو لم أعرف أين أضعه وكيف سأركّبه أصلًا. مضت على شرائه عدّة أسابيع. لم أركّبه حتى الآن لأنّي أريد أن أصنع منه ذكرياتٍ حلوة؛ سأنتظر قدوم إستبرق إلى منزلنا لنركّبه معًا. لأننا نحبّ هذه الأشياء، ولأننا شغوفتين بها، ولأنني أحب إستبرق.
ـــــــ


- بينما نحن جالسين في المحاضرة الوحيدة التي تجمعنا أنا ومريم وغيداء وعائشة (أصدقاء الكلية)، “غيداء! نسيت أراويش العقص الصَغير!” أقول وأرفع حِجابي من الخلف بسرعة وأستدير لترى ذيل شعري. تشهق غيداء، أحب ردود أفعال أصدقائي على مصائبي، (وآخرها أني أقفلتُ باب غرفتي في ليلةٍ ما، وأمسكت بذيل شعري الطويل، أغمضتُ عيني كأنني أستمع إلى صراخ، وقصصت..)
أعدتُ رأسي كما كان. “كييييف” قلتُ ضاحكة. مسحَتْ رأسي مرّتين سريعتين وقالت “اللهم أنبته نباتًا حسنًا، اللهم أنبته نباتًا حسنًا”. ضحكتُ كثيرًا لأنه أنسب دعاء لشعرٍ بالغ القصر.
أحب هذه التفاصيل، والمحاضرة التي تجمعنا، والكلية..
ـــــــ


- في خميسٍ ما من الخميساتِ الماضية (هل تُجمَع خميسات؟)، لا أنسى كيف كنت مُنتشيةً وأنا أسمع عمي يحكي لنا عن صغار العائلة وقصّة تنظيفهم مزرعة جدّي مقابل رحلة للإمارات. أنظرُ إلى وجوهنا ونحن متقابلين في طاولات مقهًى ما نشرب شايًا ونسمعه ونضحك، ويبتسم قلبي ملء ثغره.
وأذكر في ذاتِ اليوم أصواتنا في السيارة نغني أغاني سبيستون ولا يكادُ صوت السماعات نفسها يُسمَع، وبالذات عمي، كان يُغني بكل ما يملك من مرح.
منال (فردُ العائلة الجديد) صامتة لا تُحرك رأسها حتى بإتّجاهه. لم تنطِق إلا حين وصلنا أغنيةً قال عمي أنه لا يذكرها وأجابته ريم (ابنة عمّتي) أنها شارة أبطال الديجيتال الجزء الثالث، فاندفعت منال قائلةً “الرابع.” ثم استأنفت صمتها.. كان ذلك مثيرًا لاستغرابي.
تذكّرتُ مرة.. يومَ كتبتُ أنني حزينة لأني لا أملك أي شيء يجعلني جميلة، علّقت منال أنها تكتئب حين تصل الأشياء إلى أقصى درجات جمالها.. لم أفهم حينها، لم أحاول أصلًا. لم يكُن ذلك ما أقصده أبدًا، كان مقصدي سطحيًا جدًا، وكان مقصدها عميقًا، جدًا. ونسيت الأمر برمّته.
في ذلك اليوم، يوم سبيستون، فهمت ما كانت ترمي إليه منال، رأيتُ تطبيقًا عمليًا على ذاك. “أكتئب يوم توصل الأشياء أقصى جمالها”. هكذًا إذًا! لذلك كانت صامتة لا تُبدي أيّ شعور تِجاه احتفالنا في السيارة!
آه.. لو أنني أستطيع أن أُطمئنها أن كل شيء قابل أن يكون أجمل، (نحن تحديدًا). وأنّه “بالإمكان أبدع مما كان”!
على كلٍّ، طبعها ذاك أبهرني. يعني، أحيانًا تُثير انبهاري أسبابُ حزنِ الناس، وبالتالي انبهاري بهم.
ـــــــ


أمرّ بلحظاتٍ أرى فيها هذه الأيام مُشوّشة، نظري ضعيف من الأساس، لكن هذا التشويش ليس ضعف نظر، تشويش مألوف.. إنّه تشويش الأيام القديمة. مثل أيام تلعثُمي في النشيد الوطني في أول سنةٍ غنيّته، أو وجه الجدة زوينة الراحل قبل ثمان سنين، صورة غير واضحة وباهتة..
تمرّ أيامي هذه أمامي كأنها قديمة. إنني أستبق الأحداث وأتقمّص نفسي البعيدة، وأتخيّل..
في ظهيرةٍ ما، يعود أبي من عمله ويُنادي أسماءنا واحدًا تلو الآخر، “غدييير. غادااااة…. تعالوا نتغدّا” تنزل كل الأسماء التي ناداها وتجلس، يبقى مقعدٌ واحد خاليًا، نفسه الذي يجلس فيه عادةً المتأخر عن النداء. يمر الوقت ولا يدرك المقعدَ أحدٌ إلى نهاية الوجبة.

وهناك، أجلس أنا، في إحدى طاولاتِ مبنًى على بُعد مائتي كيلومتر أو أقل قليلًا، أتناول الطعام، ربما وحدي أو مع أناسٍ وحيدين مثلي، ولا أسمع شِجارًا على علبة الزبادي الأخيرة ولا جدالًا على من سيقوم ليجلب العصير من الثلاجة، ولا صوت زحفِ الكرسي فجأة ووقوف أبي “خلاص أنا بجيب.”، ثم شعور محمد بذنبه مع بعض التذمر: “نزين بجيب، كله أنا كله أنا”...
وستتكرر هذه الظهيرة ستَّ سنواتٍ إلى أن أعود.
ـــــــ

كل الأحداث العابرة لا تعبُر منّي/عنّي، لا أعرف أيَّ حرف جرٍّ هو الأنسب، والتفاصيل تجرّني معها ولا تمر مرور الكرام.
أسكبها في ورقة، أعود إلى العالم وألتقي تفاصيلًا وأحداثًا جديدة. ونُعيد.

وأنت؟ "أسمِعني أخبارك الحُلوة"**!





ــــــــــــــــــــــــــــ
* مو ذا؟: ما هذا؟
وطية: حذاء.
رابَ مغواها: انظُر ما أجملها.
** الاقتباس لأحمد العُمري، وكامله: "وأقول لك: اسمعني أخبارك الحلوة. لا تضن على بها. قل لي أنك تصلي. وأنك مداوم عليها. لا تتعقد من الآن بخوف الرياء وتلك الهواجس التقليدية كلها. لا تبخل علي بالأخبار الحلوة، ولا تكن مثل الزمان: ضنينًا علينا الا بأسوأ الاخبار.. قلها ولا تخف، ودع أجنحتي ترفرف، وعصافيري تزقزق، ودع سمائي -رغم الظلمة- تشرق..
قلها ولا تخف! ودع أخبارك الحلوة تتصدر نشرة أنبائي العظيمة... يا صديق.".


تعليقات

  1. غدير..
    ككل مرة، أجد أنفاسي تتوقف وأنا أقرأ كلماتك الحُلوة بانسيابية أفكارها وجمال مفرداتها.
    أتمنى أن يكون قلمك فاهًا لقضية ما، ليكون صدى حرفك موسّعًا لصداها -فيزياء-.ض

    ردحذف
  2. أعترف أنني أفرح كثيرًا حين أكتشف أنك كتبتِ، وأنني لا أجد ما أعلق به.

    ردحذف
  3. جميل واجد واجد واجد.

    ردحذف

إرسال تعليق