التخطي إلى المحتوى الرئيسي

كلام غير مُكمَل

١
ظهر السبت.
أجّلت الكتابة طويلًا لكن ضجّة أفكاري تخنقني، وستقتلني إن لم أقتلها أنا أو في أحسن الأحوال أطلق سراحها لتدعني وشأني.
إنها الثانية عشرة ظُهرَ السبت. وددتُ لو أنه الليل لأكتب على رواء وليكون الأمرُ أكثر شاعرية. أو لو أنني أؤجّل الأمر إلى أن يحل الظلام بدل وقت ذروةِ الأشغال وضجيج الحياة الآن.
لم يتحقق الإثنين ولأنني حقًا سأنفجر إن لم أفرّغ حالًا؛ أكتب..
في الأسابيع الأخيرة، حدث الكثير، كان شهرًا بعنوان: أشياء جديدة، ودهشة. كنت أظن أن المرء يستغني عن الكتابة ما دامت أموره بخير، على عكس حاجته وهو مكروب. ولم أكتب. ظننتُ أن كل شيء سيكون عاديًا. لكن هيهات.
إنني لم أنَم نومةً طبيعيةً واحدة في أيامي الماضية. أرق، تقلّب، تفكير، أشياء غير مهمة تشغل عقلي الذي أكاد أتوسّل إليه ليكفّ. أشعرُ به إناءً تتزاحم الأشياء داخله، ويفيض.
كل شيء يشغل تفكيري، حرفيًا، بدءًا من مكعّب (روبيك) الذي بدأ يُثير اهتمامي لتوّه، مرورًا بكلمات صديقٍ قال “لن أحادِثكِ حتى تعودي غدير التي أعرفها”، انتهاءً بنتائج قراراتي العشوائية.
هل قلتُ (انتهاءً)؟ آسفة. لا يوجد انتهاء. التفكير مستمر ويصِل إلى كل وأي شيء.
الوضعُ الآن: يُشعرني الجميع بتأنيب الضمير، كل شيء يلومني. تقصير تقصير تقصير. لا أعرف فيما كنت أبذُل بالضبط إن كان كل أحد/شيء ينقصه جهدٌ أكثر.
يكفيني لومي لذاتي، لا أريد مساعدة خارجية في عملية اللوم وتأنيب الضمير. يكفي ما عندي وزيادة.
حسنٌ.. مُذ كنتُ أؤجِّل الكتابة كنتُ أخطط أن أكتب تدوينة هادئة. أحكي فيها عن دهشاتي الأولى في فصلِ حياتي الجديد. لكن يبدو أن تخطيطي فشل -كالعادة- وها أنا أكتب أَضَجَّ ما يمكن كتابته وبسرعةٍ هائلة تجعلني لا أُعيد قراءة ما كتبته أصلًا. الهدف هو التفريغ. فلنودّع رصّ الكلمات وزخرفة العبارات الآن.
بِمَ أبدأ؟
....
ــــــــــــــ
٢
صباحَ يوم الإثنين.
أسمعُ طرق أمي للباب "غدور يلا يلا.." أُجيب: لحظة ماما.
وتمتدّ هذه اللحظة إلى ربعِ ساعةٍ بعد الطرق، أستيقظ بعدها مذعورة، أهرعُ إلى الحمام وأُغدق وجهي بالماء مرارًا لئلّا يبقى  النعاس. يدقُ محمد عليّ الباب: "غدير آية (الذي خَلَقني فهوَ يَهدين..) في أي سورة؟" أُجيب: الشعراء. ثم أخرُج لأجدهُ واقفًا أمامي يبتسم بقوة "اليوم بقرأها في الإذاعة"، أجيب "شاطر! تو روح ما عندي وقت."
أنظرُ إلى الساعة لأجد الوقت المتبقي لا يكفيني حتى لأتناول فطوري، أتمعّر. أتذكّر أمرًا أسوأ، هل جهّزتُ ما أريد أرتداءه اليوم أم مارست هواية التأجيل لآخر لحظة؟ أفتح باب غرفتي لأجد عباءةً مكوية معلقة. أتنهد: الحمدلله. أضعُ خافيَ الهالات السوداء تحت عيني، ثم أزيله بقوة، "لين متى أتخفّى؟" أقول في نفسي. أضع واقي شمس وأرتدي العباءة مسرعةً إلى الطابق الأسفل. أجِد أمي فأتنفّس الصعداء ثم أقول مشعرةً إياها أن كل شيء بخير: صباح الخير ماما!
تُعطيني منديلين ملفوفين، تقول بقلق: "ايش هذي الشنطة الصغيرة؟ ما بتكفي شيء، لحظة بجيب كيس." أنفعِل "ماما لأ پليز!"
تناولني المنديلين باستياء، أرتدي حذائي غير معقود الحبلين وأركض إلى الخارج. الحافلة.. لطالما كرهت هذا الاختراع.

أركبُ الحافلة وأتنهد بعمق، أجِد الساعة تُشير إلى أن كل ذاك استغرق ١٠ دقائق، بصراحة هذا إنجاز على المستوى الشخصي. أعقد حبليّ حذائي، أحاول استعادة استرخائي بعد كل الجري والجلبة التي أحدثتها قبل دقائق، أمرّ على منازل حيّنا.
هذه أستاذة حبيبة، أتساءل كيف تقضي صباحاتها بعد أن تقاعدت، لا أستطيع تصوّرها وهي ساكنة. لأنها أكثر إنسان حركيّ وسريع أعرفه، آه تذكّرت جَريَها بين الحصص.. اشتقت.
وهذا منزل فَيْ، المغتربة في قارةٍ بعيدة، أتذكر كيف كنا نمرّ عليها أنا وأبي صباحات أيام الامتحانات النهائية، كانت تُناولني تمرةً كلما ركبت. وأسألها كثيرًا وأفهم أشياء جديدة كثيرة قُبيل الامتحان بساعة. ثم أُعطيها ورقةً فيها آيات السكينة بخط إستبرق.
إستبرق! إنه يوم الاثنين ولديها محاضرةٌ في الثامنة، أرجو ألّا تفوّتها كما تفعلُ عادةً.
أُخرِج أحد المنديلين الملفوفين من حقيبتي، ٥ تمرات، أذكر أني قلت لأمي أن ثلاثًا تكفيني، لكن كيف تخيلت أن أمي ستكتفي بوضع ثلاث؟
الله! يومٌ غائم! أفتح الشباك بصعوبة، أتنفّس بعمق. الله الله. لا أستطيع الكفّ عن التبسّم مع هذا الشعور، هل تجلبُ الغيوم كل هذا السلام الداخلي؟

آه.. من أينَ يجلبُ الأطفال كل هذا الشغفِ بالحياة وهم ينتظرون حافلاتهم؟ أذكر أنني كنتُ أحب المدرسة وصباحاتها. ما الذي جعلني أستثقل الصباحات الآن؟
.....
ـــــــــــــــ
٣
ضُحى الثلاثاء.

أتّخذُ مقعدًا في حديقة الكلية فور وصولي، مضت عشرُ دقائق على بدء المحاضرة الثانية، يُمكنني حضورها لكن لن أفعل. كذبتُ على أمي صباح اليوم بأنّه تم إلغاءُ أول محاضرتين لتسمح لي بالذهاب متأخرًا قليلًا، والحقيقةُ أني اليوم مُتعبة وأضعفُ من أن أستيقظ مبكرًا لأواجه العالم. آسفة يا أمي.
أمامي رواية كئيبة، دفتر، سماعات ومكعب (روبيك)، لا أفعلُ شيئًا إلّا التحديق. أفتح ملاحظاتي وأجِد أنصافَ الفقرات التي كتبتها، ما الذي يحدث؟ لمَ لا أكمل أي شيء؟
 أُرسل إلى مريم: في حال أنهيتم المحاضرة وأردتم النزولَ لتناولِ الطعام فلا تنتظروني. "بطلع فوق عشان أتصالح مع نفسي."
أبتسم لأنّها لو لم تكُن مريم لاستنكرت مزاجي السخيف، أحمل حاجيّاتي وأصعد الدرج، أمرّ كل مرةٍ بطابق لأجد وجوهًا نصف نائمة، أخرى غارقة في أوراقها وكتبها، وأخرى تضحك مع بعضها محاولةً تجاوزِ سوء الحياة. أو هكذا أتخيّل.
نسيتُ أين تقعُ المكتبة، دخلتها قبل شهرٍ لأجل إعدادِ عرضٍ شفوي، والآن أدخلُ لأني "مُشتَّتة".
أجِدها أخيرًا، أدخل محاولةً أن أبدو أمام الموظفة والجالسين الكادِحين جادّة في المذاكرة.
أتّخذُ أبعد زاويةٍ عن الأنظار، أضعُ الكتب وعلبة الماء نصف الفارغة وأجلس، وأتنهّد.. أحب هذا المكان، لا أحد يتدخّل فيهِ بأحد.

أفكّر أحيانًا، كيف صرتُ هنا؟
كيف صارت لديّ بطاقة معنونةٌ بـ "طالب طب"؟ 
أعني، لم يسبق أن فكرتُ بدراسةِ الطب قبل آخر سنةٍ في المدرسة، بينما كان الطب حلم معظم الذين يدرسونه الآن منذ كانوا صغارًا.
 أتذكّر تفاصيل ذاك اليوم..
قبل عشرِ سنواتٍ بالتمام، تقولُ لي عزّة ابنة عمي التي تكبرني بثلاث سنوات وأنا في الصف الثاني لا أفقهُ شيئًا: أنا حلمي أكون طبيبة، أنتِ ايش؟
يصعدُ ويهبط كتفيَّ مشيران إلى أنني لا أعرف، ثم أفكر لوهلةٍ في نفسي.. ماذا أريد أن أكون؟
لا يهم، "خلا نترنجح!"
عزة الآن طالبة طب، لن تحضُر حفل زواج عمي سلطان الأسبوع المقبل بسببِ امتحان. يشفق الجميعُ عليها لأنها تكدحُ فعلًا، لكن عزّة إنسانة تُحب ما تفعل. كانت تحكي لي قبل أن أُقبَل في كلية الطب عمّا تدرسه، وكيف يُثير اهتمامها.
والآن أنا طالبة طب مثلها، الفرق أنه حلمها القديم، وأنا حلمي وليد اللحظة. قررتُ في ليلة وضُحاها أن أدرس الطب ووضعته أولى خياراتي ثم في ليلةٍ أخرى وضُحاها وجدتني فعلًا طالبة طب. فجأة وبدون تفكيرٍ مليّ.
.....
ـــــــــــ
٤
أكتبُ لصديقي؛
 لأنني أكتب بسلاسة أكثر إذا تخيّلت عينيه تقرآن. فإلى صديقي البعيد..
الأبعد من أن أضع له رسالةً ورقيةً في دُرجِ طاولته، والأبعد من أن يقف بجانبي على عتبة باب قاعة الامتحان نتبادل نكاتًا تُهدّئ من روعَينا، الأبعد من أن يسرد لي بما يفكّر ومما يخشى من المستقبل وسط ضجيج القوانين والمسائل، إلى صديقي الأبعد من أن يصفَّ بِجانبي في طابور الصباح ويغنّي معي النشيد الوطني بنشاز وبِحُب. الأبعد من أن يحمل عصيري وشطيرتي ريثما أربط حبال حذائي. صديقي الأبعد من أن أطلب منه إغماض عينيه لأُفاجِئهُ بكتبنا المفضّلة وأقول "تااداااا!"، صديقي الأبعد من أن يُلصق على وجنتيّ نجومًا تُثير استغراب/سُخريةَ المارّة، صديقي الأبعد من أن أقول لهُ صباح الخير بعينَينِ متورِّمَتَين، الأبعد من أن أقول لهُ "والله اشتقت!" بكل جوارِحي، لا عبر شاشةٍ تُبعدنا كثيرًا ونحن الذين ظنناها تفعل العكس..
إلى صديقي الذي أراهُ بين وجوهِ المارّة فأقشعِرّ لأني أعرف أنه ليس منهم.

أتذْكُرُ حين سألتَني: كيف حالك؟ وأخبرتَني أنّها ليست "كيف حالك" المستهلكة، بل "كيف حالك" التي تعنيها حرفيًا؛ لأنّني توقفتُ عن الإجابة بإسهاب.. فدرءًا للقلق الذي يعتريك، إليك حالي.
...
ــــ

قُصِد بالصديق أصدقاءٌ عِدّة.

تعليقات

  1. عشت فيك بكل تفاصيلك، وتمنيت لوهلة أن أكون ذاك الصديق البعيد.
    سلام عليك واطمئنان.

    ردحذف

إرسال تعليق