التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من 2013

بحرٌ وشتاءٌ وشتات..

19/11/2013.

عندما أكلمتُ عامي الخامس عشر..
 كان جدّي قد وُضِع في سريرِ المشفى قبل ميلادي باسبوعين تماماً (17/مايو – 2/يونيو) ، ثمّ توفيّ بعد شهرين ونصف من عيدي الأسود (16/أغسطس). حزني طبيعيّ فلستُ أوّل من يموت جدّها وهي في سنٍّ كهذا..

ما أُريد أن أًصِل إليه أنّ نوبة اشتياقٍ له تزورني فجأةً في وقتٍ غير مناسب ، فمثلاً اليوم وأنا على مِقعدٍ أمام أمواج البحر وهوائِه شديد البرودة وبينما والداي يمشيان بِبعد عشرات الأمتار عنّي ، وأخواي الصغيران خلفهما.. نظرت إلى البحر وتحسّست الجو حولي ، كل شيءٍ كان طبيعيّاً حتّى تسلَّلَت بعض الذكريات خِلسة لِتقطع تأمّلي ، تلك الذكريات كان تشبه حالي بعض الشّيء ، فقد كانت بارِدةً كَجوّي الآن ، وأصوات الأمواج مثلُها تماماً..

بعد أن تسلَّلت بين أفكاري بدأت تتمثّل صوراً أمامي.. معطفٌ أسود ثقيل ووجهٌ أبيض بشوش ينظر لِمن حوله بِابتسامةٍ طاهرة ، صامتٌ يبتسم فقط ، لا لا ! أقصد أنّه صامتٌ أمامي لكن لا أظنّه صامتاً مع نفسه فابتسامته تُخفي حديثاً أنا مُتيقِّنةٌ من ذلك ، فكلّ صامتٍ ظاهرياً يضجّ بِالأحاديث مع نفسه.. -أتحدّث عن جدّي-
حين أردت أن أوقِف شريط الذكريات هذه وأخرج إ…

تلك العجوز..

تلك الجدّة
تهديها بناتها الأربع سجّاداتٍ ومصاحِف ومسابيح كثيرةً دائماً..
إلّا أنّها تُصرُّ أن تصلّي على سجّادةٍ شديدة القدم مُهترِئَةً تُعيد حياكَتَها كل ما تمزّقت ، وتقرأُ في مُصحفٍ باهِتَ الألوانِ من قِدمه ، ولا تُبدّل ذاك المِسباح رُغم جمالِ المسابيح الأُخرى ..
يتعجّبُ الجميع من تصرُّفِها ، لِما تُفضِّل تلك السجادة والمصحف والمسباح تحديداً رُغم كثرة ما تُهدى إيّاه !!

سألتها حفيدتُها يوماً ..:
- جدّتي ، ما الذي يجعلكِ تفضّلين هذهِ الأشياء وهي قديمةٌ بالِيَة ؟ ألا يُعجِبكِ كل ما تُهدَينَ إيّاه !
- تبسّمت لِحفيدتِها ، وصمتت قليلاً ، ثمّ دمعت عيناها :" ..:
أتعلمين يا صغيرتي.. جدّتُكِ تجذِبها ألوان تلك السجادات، وزخارِفُ تلك المصاحف، وبريقُ تلك المسابيح الجديدة..
لكنّها تنهى نفسها عن استخدامِ أيٍّ منها وتبقى على أشيائها القديمة.. تعلمين لِما :) ؟
- أشارت الصغيرة بجهلِ السَّبب :(
- أكملت الجدّة حديثها : قبل أن يرحل جدُّكِ ،
أهداني هذا المسباح الذي بين يديّ الآن ، كان يردّد دائماً "استغفِري كثيراً ، سبِّحي بُكرةً وأصيلاً ، احمدي ربكِ على النِّعم"
وأهداني السجادة هذه ؛ لأنّه يعل…

ورحل إلى ربِّ السماء :"

ورحل جدّي إلى السماء.

كان جدّي هُنا، يحسب الأيّام والسّاعات ليأتي موعد لقائنا. لا تسعه الفرحةُ عند قدومنا لِزيارته، يستقبلنا بابتسامته العذبة فنقبّل رأسه ويسألنا عن أحوالنا، يسأل عنّا واحداً تلو الآخر، ويحزن إن علِم أنّ أحدنا لم يأتِ.
نجتمع حوله، فيُحدّثنا ويضحك معنا. رُغم الآلام والأمراض التي تتغلغل في جسده الضعيف، يتناساها ولا يُظهر الّا ابتسامته وفرحه بِتجمّعنا حوله.
ينتهي موعد زيارتنا، فنرحلُ كلٌّ إلى بيته، ويبقى هو ينتظر موعدنا في الأسبوع القادم بكلّ لهفةٍ لنتجمّع مجدداً.


في يومٍ ما.. وقع جدي أرضاً، ثم وُضع في سرير المستشفى الذي يبغضه.
هو يتنفّس وينبض، لكنّه لا يتحرّك ولا يتكلّم. مرّ على حاله هذا شهر. نزوره كلّ يوم، تقرأ له أمّي سورة يس وتنفث فيه، تليها خالتي فتقرأ عليه آيات الشفاء وتنفثُ فيه، وتليهما خالتي الأخرى فتمسح رأسه بماء زمزم. ندعوا له جميعنا ونرحل.
مرّ على هذا الحال شهرٌ آخر. تأخّر جدّي! متى سيفيق! أدخل عليه فأقبله ثم أبدأ في الحديث معه: جدّي! اشتقت إليك كثيراً.. متى ستفيق وتعود إلينا نتحدّث ونضحك سوياً؟ جدّي! إن كنت تسمعني فافتح عينيك.. لقد فتح عينيه! أمّي فتح جدّي عينيه عن…

لِنصوّر حياتنا باحترافية ؛ لِنسعد !

“التصوير الاحترافيّ” ما وَقعُ هذه الكلمة على أذهانِنا ؟ آلات تصوير؟ عدسات مُكبِّرة؟ ألبوم صور؟ تعقيد أزرار الكاميرا؟ فن يصعُب إحترافه؟ …إلخ؟ ربّما تشتقُّ منها هذه التفاصيل؛ لكنّ في أعماقِها معانٍ أخرى. المصوّر (الاحترافيّ) حين يصمِّمُ على التِقاط صورة، بدايةً ينتقي موضعًا يستحق التصوير، ثم يقصُد أجمل زواياه لِتبدو الصورةُ بأبهى ماهي عليه. أليس كذلك؟ كما لو أنّهُ يُنقِّبُ عن قِطعةٍ مَميّزةٍ بين كومةِ أشياء عاديّة.. إذاً.. لو فكّرنا بِـ"التصوير الاحترافيّ" بعيداً عن أزرار الكاميرا وأضوائِها.. لو جرّبنا جعل أعيُنِنا كاميراتٍ احترافيةٍ  تلتقط الروعة وتترك البشاعة، في كلّ شيء! نستطيعُ تبديل أمورٍ تُزعِجُنا بِأمورَ مُفرِحةً بِمجرّد "تصويرِها بِاحتِراف”. جرِّبوا معي :
1-  لِنُركّز العدسةَ على الجانِبِ المُشرق. سَتُغطّي إنارتُه على عُتمَةِ الجوانِبِ القاتِمة .
2- إن فكّرنا بكلِّ مِحنةٍ مليّاً؛ نجِدُ أنّ بين أروِقةِ الحُزن يَحتجِبُ زُقاقٌ لِلفرح. وبين عُتماتِ اليأسِ يتَوارى وميض أمل.
3-  لِنكُن صِغاراً في تمتّعِنا بِأبسطِ الأشياء، وكِباراً في إيمانِنا بِأنّ الله بديعٌ في خلقِه، حكيمٌ في…

أبي ، يا قطعةً من الجنّة.

4/4/2013
أبي.. ياقطعةً من الجنّة، يا نعمةً لا يجِدُها كُثُر. يا جزءاً مهماً في حياتي لا أتخيّلها دونه. أتعلم كم أحبك؟ أتعلم كم أحن لك؟ تالله لا تدري! ولا أحد يدري؛ غير علّام الغيوب..
طبيعيٌ أن الحروف تبقى مقصّرة بحقك، وأني سأظل أكتب عنك ولن أنتهي. وأنّى توفّي الحروف حق شخص مثلك؟
أبي.. سأخبرك ما كان يبكيني كل ما هاتفتك وأنت في الغربة. والله انّي أنا المغتربة! أُقسم أن بُعدك يجعلني عن دياري غريبة..
أتذّكر جلوسنا سوياً لأحكي لك وإخوتي عن تفاصيل يومي .. أذكر ضحكتك الفريدة -التي لا زال صداها يرنّ في أذنيّ - حينما أقصّ عليك موقفاً طريفاً في المدرسة.. ولا أنسى تقليبك لأوراق دفاتري وإختباراتي –يومياً- ، وثناءك على تفوقي –وبالمناسبة كان هذا من أقوى الدوافع التي تجعلني أجتهد أكثر !- .. أذكُر عودتك من عملك متأخراً ثم تفقدك لغرف كلٍّ منّا على الرغم من إرهاقك وتعبك.
أبي أين أنت لتهوّن علي أحزاني؟ وتصحح لي زلّاتي؟ وتقوّمني عند عثراتي؟ تضحكني عند ضيقي؟ تحييني على تفوّقي؟ تشجّعني على محاولاتي؟


عد فأنت وطني. أنا في غربةٍ دونك.