المشاركات

عشيّـة

الساعةُ التاسعة إلا الربع، مساء الأحد. أجلس على الرصيف متّكئةً على عمود مظلّات المواقف التي لا تكون بهذا الفراغ طوال النهار، أسمع نعيق غراب، القمر المكتمل عن يميني، أفكر في كل الأشياء الآن  وطوال الوقت بلا استراحة. ذهني مكتضٌ صاخب مزعج مشوّش مثيرٌ للتقيّؤ والبكاء والصراخ. أمشي بين الناس بهدوء وحواجب معقودة، أتمسّك بأطرافي لئلا تنساب مشاعري وعبراتي منها إلى الأرضية. أشعر بكل شيءٍ فعلًا. بمشاعر لا تجتمع في البال الواحد في اللحظة الواحدة. ولم تكن هذه قضيةً هامة لو لا أنني الآن بالذات لا وقت عندي لأي من هذا ولا حتى لأكتب ما أكتبه الآن. عندي امتحانات ولا شيء أبدًا أبدًا تحت السيطرة ولا حتى بمقربةٍ منها. لقد حدث الكثير الكثير الكثير، أكثر مما اعتاد عقلي، المضطرب على الدوام. أودّ لو أتقيّأ روحي الآن، هُنا. حيث لا يراني أحد ولا يسمع شهقاتي الأخيرة؛ غير القمر، والغراب، والاسفلت الذي سأتمدد عليه بارتياح. كم أود أن أوقف كل شيء عن متابعة الأشياء، كيف تمضي الحياة بهذه الاعتيادية بعدما حدث كل ما حدث؟ ألا يحترم أيُّ شيءٌ أيَّ شيء! أريد أن أستمر في التعبير عن رغبتي في التقيؤ والفنا...

يوميات كئيبة متفرّقة

يا لهُ من مساء سبتٍ مناسب للكتابة. كل مساء سبت، هو مساء مناسب للكتابة، إنها مساءاتٌ درامية بالضرورة. وأنا في الطريق إلى السكن الداخلي، وقد قررت الآن أن أكتب. وقد كنت أقرر هذا القرار بالضبط منذ شهور ولكنني لا أشرع في تنفيذه، فأنا أستثقل كلماتي، ل ا تبدو متناسقة ولا تعني لي كثيرًا بعد مدة. تبدو من كيانٍ مختلف لا يخصني، وهذا مثيرٌ للاحباط لأقصى ما تتخيل.  فأنا لم أعنيـ(ـني) منذ زمن. ولا أعرف كيف يعني شيءّ امرءًا لا يعني شيئًا لنفسه. أمضي كل يوم وأتعامل مع أشخاصٍ لا يعنون لي شيئًا غالبًا، أقول كلامًا لا أشعر أنه يمثّلني، أضحك مع الضاحكين على أشياء لا تضحكني أنا، أخوض حواراتٍ لا تهم، أضيّع وقتي في المجاملة. أقسِم، ثلث يومي يضيع في مجاملةٍ محضة! وهذا مستنزفٌ للطاقة. جلست صباح اليوم على سرير أمي وقلت وسط انشغالها بصوتٍ متحشرج: "ماما تعبت" تجيب أمي، وقد اعتادت ولم تتفاجأ من الخبر: تذكرين تلك الآية؟ لا بُد من ابتلاءات. "أنا ليش اخترت هذا الابتلاء بالذات؟ “ - أي؟ - أني أطلع من البيت! إنني أعاني، ولا أتأقلم. ولا أحاول أن أتأقلم. في الحقيقة أنا أحارب التأقلم بكل قوتي...

الحيرة والعشرين

سؤال: لو كان عندك مقدار محدود من الجهد لتبذله في واحدٍ من أمرَيْن؛ هل ستفضّل استهلاكه في مقاومة ارتكاب خطأ، أم في التستّر عليه بعد ارتكابه؟ دعني أصغ هذا بطريقة ثانية. أنت إنسان، ومثل نسبة كبيرة من هذا النوع من المخلوقات أنت مُحاط بأناس يهتمّون لأمرك أو على الأقل متّصلين بك بطريقةٍ ما، جينيّة أو اجتماعيّة أو أي نوع من الصلات بين الناس. إذًا غالبًا أنت لست حرًا في خياراتك بنسبة ١٠٠٪، حيث أن نسبةً منها يجب أن تكون مُراعيةً للمرتبطين بك (كالعائلة مثلًا). في حالةٍ كهذه، كيف تتعامل مع أخطائك؟ تختار ألّا تفعلها أصلًا؟ أم أن تبذل بعض الجهد في جعلها سريّة؟ بدأتُ أخيّر نفسي كل مرة بين هذين الخيارين، ولم يكن لدي قرار ثابت. أحيانًا أضع ”الخفّة“ فوق كل شيء. شعور الخفّة والهدوء والسكينة. أن أكون بلا أثقال على كتفي (أو لنقل على قلبي بما أنه تشبيه على أي حال؛ فلنختر الأكثر شاعِريّة). وهذا يعني ألّا أكون بحاجة لأتستّر ولا أواجه أي اتهام ولا أوضع في موقفٍ أدافع فيه عن نفسي. يعني: ”أَبْعُدُ عن الشرِّ وأغنّي له“. (بصراحة ألم يخترع العرب جملة أفصح من هذه لنصف موقفنا ونحن نتفرّج على الشر...

أوراق محشورة

في هذا الوقت يخفق قلبي بقوّة دون سببٍ يدعوه لذلك، أعتقد أن جسدي يضع قلق الظهيرة بمحمل الجد أكثر من اللازم. التاريخ: ٤-سبتمبر-٢٠١٧، ما زال صيفًا لافحًا، وإنها الظهيرة أيضًا المكان: البيت، أحب البيت، أكاد أدمع وأنا أقول: أحب البيت الوضع: رتّبت مكتبي ونفضت الغبار وجلست وتناولت الدفتر، ممزّق، مثلي يعني، أخطط لإصلاحه منذ مدّة، وإصلاحي تفصيل للوضع: كل الغرفة تحتاج ترتيبًا ونفضَ غبار، وعقلي أيضًا بسم الله: آه، الحياة. ــــــــ السلام يا أنا الوحيدة، التي لا تُجيد الكلام، ولا تعابير الوجه المناسبة ولا التفاعل مع أحاديث الناس، وعليكم السلام، السلام يا أيها القارئ، المستسخِف أو المستغرب أو اللامنفعِل، السلام على حَيِّنا، وعلى الحياة السلام على حموضة معدتي المتفاعلة مع استيائي، وعلى رئتي التي تضيق مع ضيقي، على كل الأشياء، وعليكم السلام. أمنيات الحياة، (هممم، فلنقل: أمنيات الوقت الراهن، كلمة الحياة كبيرة، تعرف): ١- أريد أن يكون عندي أصدقاء، هممم، عندي.. حسنٌ، أريد أن أشعر أنّ عندي أصدقاء. غريب أن يحتاج المرء للشعور، لا الأشياء. الأشياء عنده، يريد الشعور فحسب. أريد الشعور بامكانية تكوين العلاقات ...

بيتُنا قريب

"بمسخصص.. يعني بركاء، المصنعة، السويق، الخابورة، صحم واااا أخيرًا صُحار" يعدد أبي الولايات التي سنمرّ عليها في الطريق من بيتنا إلى مقرّ الكليّة. ____ نصل، أشعر بتوترٍ شديد، أشعر أن أغراضي أكثر وأنا أثقل. ينزِل أبي كل أغراضي بحذر ويضعها فوق بعضها، أستدير نحو كل الجهات وأستوعب.. آباء، حافلات، حقائب كثيرة، ثلاجات وعلب ماء. يقف بابا حين ينتهي تمامًا، ينفض كفّيه، "بابا جبت الكيسة الصفراء ماما حاطة فيها تمر!" يردُّ بالإيجاب، يقف وينظر إليّ، يقف الصخب كلّه ولا أسمع وأرى إلا أبي. “..واهتمي بنفسش وكوني مجتهدة… وصح! لو احتجتي أي شيء ترى عادي أجي من مسقط أي وقت نزين بابا؟" أقف على أطراف أصابع قدمي لأصل إليه، أحضنه، يمضي، وأمضي.. ___________ نصفّ أنا وغيداء رفيقةَ الغرفة حاجيّاتنا في غرفتنا المشتٓرٓكة؛ بسكويتاتٌ كثيرة، كورن فلكس، أكياس شاي لبتون، مكسّرات، معمول.. مقلاة للاحتياط، اسفنجة غسل الصحون، منظّفات تنبعث منها رائحة الصبّار.. نصل إلى المكتب.. أقف أمام مكتبي بوقار، أضع إطار صورتي أنا وغادة في أعلى رفّ، كتابٓي الكيمياء والأحياء الضخمٓين في الأسف...

دعني أُسمِعك أخباري

“- مو ذا عايشة؟ - وَطْيَة جايبنها بدر وحليله، رابَ مغواها”* أجابت جدّتي بفرح يوم سألها جدّي عمّا ترتديه وتتبختر به. ولم أنسَ بسمتيهما ذاك المساء. ـــــــ - كانت أربعاءً مشمسة، كنتُ أرتدي نظارةً شمسية يُطلق عليها أبي: النظارة البايخة؛ لأنها ثُمانيّة ولونها كجلد صرصور، ويقول أنها موضة الثمانينات. يضحكني وصف أبي للأشياء بـ"بايخة"، أعني، ما معنى "البياخة" لغويًا أصلًا؟ لا أعرف لكنني متأكدة تقريبًا أن رائحة الرَّيحان التي كنت أحشُرُه بها في صباحات المدرسة لم تكن لها علاقة بالبياخة. وكان يقول "غشّيتينا بذا الريحان البايخ”. وكنت أضحك وأستمرّ في قطفه كل صباح. أنزل من السيارة على أرضِ الجامعة تلكَ الأربعاء ويُشير أبي قائلًا: “كلية الطب في ذلك الاتجاه. تعرفين صح؟ أين ومتى ألتقيك؟” أُجيب: سأكون في المكتبة ريثما تُنهي محاضرتك. “اتفقنا إذًا، يلا..” ينطلقُ هو باتجاه كلية العلوم وأنطلق بالإتجاه الذي أشار لي إليه. أرسل لأروى أنني هنا فهلّنا أن نلتقي؟ ألتقي أروى بعد دقيقتين من دخولي الكلية، أروى إنسانة طيّبة وجميلة، وتُحب الشِّعر وأنا أحبّها. تُخبرني أن لد...

كلام غير مُكمَل

١ ظهر السبت. أجّلت الكتابة طويلًا لكن ضجّة أفكاري تخنقني، وستقتلني إن لم أقتلها أنا أو في أحسن الأحوال أطلق سراحها لتدعني وشأني. إنها الثانية عشرة ظُهرَ السبت . وددتُ لو أنه الليل لأكتب على رواء وليكون الأمرُ أكثر شاعرية. أو لو أنني أؤجّل الأمر إلى أن يحل الظلام بدل وقت ذروةِ الأشغال وضجيج الحياة الآن. لم يتحقق الإثنين ولأنني حقًا سأنفجر إن لم أفرّغ حالًا؛ أكتب.. في الأسابيع الأخيرة، حدث الكثير، كان شهرًا بعنوان: أشياء جديدة، ودهشة. كنت أظن أن المرء يستغني عن الكتابة ما دامت أموره بخير، على عكس حاجته وهو مكروب. ولم أكتب. ظننتُ أن كل شيء سيكون عاديًا. لكن هيهات. إنني لم أنَم نومةً طبيعيةً واحدة في أيامي الماضية. أرق، تقلّب، تفكير، أشياء غير مهمة تشغل عقلي الذي أكاد أتوسّل إليه ليكفّ. أشعرُ به إناءً تتزاحم الأشياء داخله، ويفيض. كل شيء يشغل تفكيري، حرفيًا، بدءًا من مكعّب (روبيك) الذي بدأ يُثير اهتمامي لتوّه، مرورًا بكلمات صديقٍ قال “لن أحادِثكِ حتى تعودي غدير التي أعرفها”، انتهاءً بنتائج قراراتي العشوائية. هل قلتُ (انتهاءً)؟ آسفة. لا يوجد انتهاء. التفكير مستمر ويصِل إلى كل...

مذكّرات قديمة

لا أنسى ما حييت ذلك الموقف وذلك المكان وتلك الوجوه.. رنّ جرس انتهاء الحصة الرابعة وبدء الفسحة. قالت يومها أستاذة الرياضيات: "يلا بنات كلكم اخرجوا وتبقى المتفوقات الّي عطيتهم نشاط إثرائي أمس." "نشاط إثرائي؟ متى؟ وكيف ما عندي؟" قلتُ مرتبكة. قلتُ بأملٍ في نفسي أن الأستاذة قد نسيت اسمي سهواً، سأمرّ أمامها كأني خارجة مع الخارجين -غير المتفوقين، وهذا مؤلم- علّها تتذكر. وبعد حين خطوتُ فعلاً أمامها و(تحمحمت) عمداً، وياللأسى.. لم تُنادِ عليّ "اوه غدير! نسيت اسمك تعالي" كما تأملتُ أنها ستفعل. تحطمت. كانت تلك الجملة غير المنطوقة كهاوية أودت بنظرتي لنفسي إلى أسفل سافلين. نشاط إثرائي سخيف يحطم ثقتي بنفسي؟ نعم. كان كالقشة التي قصمت ظهر البعير. لم أكُن بعيراً يحمل الأثقال على ظهره، لكن بدون مبالغة أنا متيقنة أن ذاك اليوم كان نقطة تحولي إلى كائن (يستصغر) نفسه بما تحويه الكلمة من معاني. منذ تلك الحادثة ولِسبع سنين عِجاف، كنت أحسب نفسي مع عداد الأغبياء في هذا العالم -مع إيماني الحالي الكامل أن الله لا يخلق عقلاً معقّد التركيب بلا نوعٍ...