التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنا أَبْ

إنّها الحادية عشر والنصف ليلًا، المنزلُ هادئ إلّا من أصواتِ أجهزةِ التكييف وصرير الليل وهذيان ابني المسموع من غُرفتِه المُشرعة و.. عُطاس ابنتي الكُبرى.

يومي كان مرهِقًا، لكننّي مُضطرٌّ للمكوث أمام هذا الجهاز ساعتَين أو واحدةً على الأقل لأُعِد نُقاط محاضرةِ الأسبوعِ المُقبل. ماذا لدينا هُنا؟ أوه، كيف غفلتُ عن هذا السطر. أحتاجُ كوب قهوة، رغم أنّها تفشلُ غالبًا في تنبيهي (من منطلق أنّها من المنبّهات)؛ لكنّي سأتظاهر بالتنبّه ليُصدّق عقلي.

عُطاس ابنتي يعلو، إنّها أيامها الأولى في حياتِها الجامعية. ما بالُها تهيجُ فأراها مُصفرّة؟
أذكر في الليلة الماضية بعد أن أنهيتُ أعمالي التي لم تكد تنتهي وتنفستُ الصعداء ثم ألقيتُ بنفسي في الفراش ممتنًا لحلول وقت النوم، سمعتُ طرقًا على بابي حسبتُه في البدء وهم الإنهاك، لكن بعد الطرقة ربما العاشرةِ استوعبتُ أنّه طرقٌ حقيقي وكأنّ صاحِبه يستنجِد.
كانت تلك ابنتي تقولُ بصوتٍ مُرتجِف "بابا لم أستطِع النوم بسبب الحُمى والصداع"، فهَمَّت أمّها المُستيقظة بفعل الطرق بدورها تُجلسها وتتحسّس حرارتها.
لستُ متأكدًا إن كان هذا نوعًا من دلال الفتيات، لكنني ما زلتُ متعجبًا من اكتفائها بتحسّس حرارتها وبحثِ أمِّها عن الدواء المناسب،
حتى أنها لم تُكمل دقيقتين ثم خرجت واهيةً تقول أنّه لا داعي للدواء، "سيخفّ غدًا، تُصبحان على خير"
وتركتنا نتحايلُ على النومةِ المقطوعة النادر ما تعود، إنّها ابنتي في النهاية، من سيصبرُ على طيشها وغرابةِ تصرّفاتها إن لم أفعل؟

تِكّاتُ الساعة تُزعجني مهما اعتدتُ عليها، وكوب القهوة نفد وعملي لم ينفد بعد. من قال أنّك ستعملُ من أجل معيشةٍ كريمةٍ لعائلتكِ بسهولة؟
لكنني أصدِقك القول، أنا أستمتع بكل هذا مهما بدا مُنهِكًا، أتخيّل "شكرًا بابا!" على ألسنتِهم الصغيرة، المُرقّعة بكذباتِهم البريئة وكلماتهم الأولى "ماما.. بابا" فأعمل أكثر، بحبٍّ أكبر.

من كان يتخيّل أن الدروس التي كنتُ أذاكِرها في هذا الوقتِ قبل عقديَن من الزمن أعِدُّها للشرح لطلابي الآن؟
مرّت بسرعة.. وها هو البياض يكسو لحيتي.

ما زال ابني يهذي ويُغامر في حُلمه، ما زال عُطاسُ ابنتي، ما زال صريرُ الليل، ما زال لعملي بقيّة وما زال الليل في أوّله.

أخيرًا.. إنّه وقتُ الوتر، نهاية اليوم. أصلّي أن يبارك اللهُ في النومة هذه فتكفيني ليومي الجديد المزحوم.
ربِّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمتَ عليّ.

تعليقات

  1. جميييل✨ تتحدثين بلسان أبيكِ

    ردحذف
  2. اسلوب جدا جميل، مفردات بسيطه و التعبير رائع ❤️

    ردحذف

إرسال تعليق