سؤالٌ والهامٌ وفجر

لمراتٍ كثيرة كنتُ أقرأ القرآن بحثاً عن شيءٍ واحد، نوع واحد من آيات العقيدة. حينها لم أكُن أجِد غير نفيٍ أو نهيٍ عن الشرك، فبدا لي الأمرُ لوهلة كأن آيةً لا تُخاطب المُلحد هنا.
 كل آية تتحدّث عن قدرة الله المُطلقة وتسييره للحياة وتدبيره لها وأنّه خلق كذا وجعل كذا كان لابد أن يتبعَها:
أَغَيرَ اللهِ تدعون - من إلٰهٌ غيرُ اللهِ - هَل مِن شُرَكائكُم من يَفعَلُ مِن ذلكُم مِن شَيء - أم لهُم إلٰهٌ غيرُ الله - أفَغَيرَ اللهِ تتّقون - أئنّكُم لَتَشهَدونَ أنّ مع اللهِ ءالهةً أُخرى.... ومن هذا القبيل.
كنتُ أتساءل أينَ الآيات التي نزلت شفاءً لوباء الإلحاد! اللهُ -قطعاً- علِم ويعلم ما تحمِل كل أنثى وما تغيض الأرحام من أناسٍ سيتخبّطون في الإلحاد، يعيشون ثم يموتون عليه. كيف لم تُحدث الآيات إنسانًا لا يؤمن بإلهٍ أساساً؟ كيف وكيف وكيف...
عمومًا كنت أفكّر منذ مدّة، أُلهمت فجرَ اليوم فكرةً أطفأت لهيب حيرتي.
ربّما لا أحد لا يؤمن بوجود إله. لو عاش طوال حياتِه يُنادي بـ المصادفة، التطور، العِلم، غِنى العالم عن إله ووهم الآلهة. مهما ادّعى وأظهر من اكتفاءٍ واستغناء، الإيمان بإلهٍ مثل الوتين التي ستنقطع حياتنا بانقطاعه.
الإلهُ الحق.. البقر والنار وتماثيلٌ من الحجارة أو حتى من التمر تؤكلُ عند الجوع. أي إله يخطُر في بالك.
حسناً، والملحد الواثق بخلوّ عقيدتِه من الرجاءِ والاتّباع؟
- (أَفَرَأيتَ من اتّخَذَ إلهٰهُ هواهُ)؟
الهوى إلهٌ يقرُّ القُرآن بوجود متَّخِذين له. المُلحد الذي يتغنّى بالحرية هو في الحقيقةِ أسيرٌ لِهواه، شهوتُه تسّيره حيث تشاء وليس هو من يفعل.
يقول جفري لانغ في كتابه (الصراع من أجل الإيمان):
" إن السفر بعيداً للالتحاق بالجامعة يعني ببساطة أنك لن تعيش مع والديك بعد الآن. إنها مرحلة التحول من التبعية إلى الاستقلال، الأمر الذي يزوّدك بالزمان والمكان الملائمين بحيث تكون بمأمن كي تختبر آراءك. وسُرعان ما تعلمت أن لا أحد يعرف الوحدة كالملحد. فعندما يشعر الشخص العادي بالعزلة فإنه يستطيع أن يُناجي، من خلال أعماق روحه... ولكن الملحد لا يستطيع أن يسمح لنفسه بتلك النعمة، لأن عليه أن يسحق هذا الدافع، ويذكر نفسه بسخفها. [لأن الملحد يكون إله عالمه الخاص به]، ولكنه عالم صغير جداً، لأن حدود هذا العالم قد حددتها إدراكاته، وهذه الحدود تكون دوماً في تناقص مستمر."
لا أحد سيكون صادقاً ودقيقاً مثل من جرّب.. د.جفري ألحد لسنواتٍ طوالٍ في حياته، يذكر مرةً في سياق كونِه (إله نفسه ومنقذها!):
"إن مفاهيم الملحد عن المحبة والرحمة والعدالة هي في تحوّل وتبدّل حسب ميوله ونزواته مع الشعور بنفسه وبمن حوله أنهم جميعاً ضحايا لمسألة عدم الاستقرار..".

-(لن يَخلُقوا ذُباباً ولو اجْتَمَعوا لَه)
العُلماء والمُخترعون الذين أُتُّخِذوا آلهةً تخلق وتصنع وتفرض النظريات (وإن يَسْلُبهم الذُبابُ شيئاً لا يَسْتَنقِذوه مِنه، ضَعُف الطالِب والمطلوب).
والحديثُ ذو شجون، الفيلسوف أنتوني فلو الذي كان زعيم الملحدين والمرجعية الأولى لهم، ألّف مقالةً في الخمسينيات من القرن الماضي أُعتبرت انجيل الإلحاد لكثرة ما تم الاستشهاد بها وترجمتها وتداولها بين جموع الملحدين. ضِمنُ ما قال فيها "إلحق الدليل العلمي حيثما قادك"...
فلو الذي أصبح ٨١ عاماً ألف كتابه الأخير (هناك إله). وقد تعرض لحملة تشهير ضخمة من المواقع الإلحادية في العالم. ردّ عليهم أنّه نفذ وصيته فاتّبع الدليل العلمي، "خمسون سنة وأنا أُلاحق الكشوف العلمية لأنفي وجود الإله، لم أستطِع أن أنفي هذه النتيجة الحتمية، هناك إله."

(ما قَدَروا اللهَ حقَّ قدرِه، إنّ اللهَ لقويٌ عزيز.)

تعليقات

  1. غدير، هذا مقال علمي يحتاج إلى نشر واسع بعنوان أكثر جدية من عنوانه الحالي. تدهشينني كل يوم أكثر ولا تخيبين ظني أبدًا.

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دعني أُسمِعك أخباري

بيتُنا قريب

كلام غير مُكمَل