رسالة الصباح

صباح ٢٣ رمضان .

الله،
إنّه الصباح، الذي لا يُجالسه أحد في رمضان إلّا في حال كان خاتمةً لسهر الليل كله.
أشعر أنّي طفلة وأنا أسمّي البقاء دون نوم طوال الليل "سهر" بينما يعتبره الكبار أسلوب حياة في رمضان. لكنّي بدأتُ يومي لتوّي، لم أنهِه مثلهم.
أشعر بالحسرة كلما قلت "رمضان" ..
المهم.
قبل أيام -وليس لأول مرة- سمعت (ولن أقول صدفة): "من لا يُبتلى ثلاثة أيام متواصلة؟ فليراجع نفسه... الله يستدرج العُصاة ولا يبليهم.... ولا شيء يُعيد المرء إلى الله كما تفعل الابتلاءات..."

لو كنت أُحادث بشراً لقلت: لا تتخيل كيف../ لا تعرف إلى أي حد... لكني أُحادثك أنت، لذلك: أنت تعلم يا الله حجم الرعب في قلبي منذ سمعتها أول مرة، والذي تضاعف آخر مرة؛ لأني فكرت.. متى آخر مرة أُبتليت؟ وفيما جاهدت وصبرت مؤخرًا؟
لا أسأل نفسي: متى آخر مرة حزنت؟ لأني على أي حال أحزن بانتظام، بابتلاء أو بدون. الشيء الوحيد الذي انتظمت فيه في حياتي هو أن أحزن دائماً وبغضّ النظر عن الظروف حولي. بالضبط: حزن بلا سبب، هواية الحزن.
ثم بعد ذاك الرعب والتفكير بأيام، أُصبت بمغصٍ شديد كاد يمزّقني، وليتني كنت في المنزل أو أي مكان أشعر بالاستقرار فيه، لا. بيت عمتي شيخة بعد دعوة إفطار.
مجدداً: أنت تعلم -طبعاً- لأي قدرٍ كنت أتألّم ولم تكن الظروف لصالحي البتّة، كان الجميع هناك وكنا نروح ونجيء وكان -وياللحظ- موعد زيارة المرضى من الأقارب و.. لحظة، أريد أن أتحدث في أمرهم قبل أن أكمل الحديث عني.
هؤلاء، شرعنا في زيارتهم قبل إصابتي بالمغص، كنت -ومجدداً، أنت تعلم- أتذكر موضوع الابتلاء، وأتساءل: هل يُدرك الزائزون أن أحداً -مثلي- بحاجةٍ لابتلاء مثل هؤلاء، أو أقل قليلاً؟ أتفهم غرابة الجملة (على الجميع إلّاك، لأنك تفهم)، لكن حقاً، أحتاج علامة، لأشعر أنّك تريد أن تكفّر عني خطاياي بابتلاء، ليخفّ حِملي وأذوق من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر، لعلي أرجع. ليطمئنّ قلبي..
كنت أتألّم حين أسمع أمي تقول عند مداخل البيوت: هذه فلانة المُصابة بالسرطان. هذا منزل أرملة فلان. وهذه أيضاً كشفت عن إصابتها بالسرطان قبل أسابيع قليلة، أظنّ أن موت أمها له علاقة. هذه العمّة فلانة التي لن تعرف من نحن لكننا سنحيّيها وكأنها تعرف كل واحد منّا وتنتظر قدومه..
كنت أتألّم لا شفقةً وحزناً عليهم، بل على نفسي.
أنظُرُ إلى عِظَم ابتلاءاتهم ثم ألتفت إلى تفاهة حزني اللا سبب له. وأقبّل رأس تلك العجوز السقيمة -التي لا تعرف من نحن ولا أين هي- بغبطة؛ ذنوبها تتلاشى واحداً تلو الآخر بهذا المرض، وأنا الصحيحة في أنظار الناس، ذنوبي تنمو وتتضخّم بلا توقف، بلا ابتلاءٍ صغير يمحو شيئاً منها..

عموماً، أعود للمغص. لم أكن أشعر بشيء غير الألم ، وبعض السخط على والديّ اللذان لا يوقفان الزيارات من أجل ابنتهما المتألّمة. وكأن أحداً لم يؤلمه بطنه قبلي.
أعني، لم أستشعر شيئاً أهم وأنا أتألّم..
إلى أن عدنا وانتهى كل ذاك ولا زلتُ صارفةً نظري عن أمرٍ جسيم.
كان هذا قبل أيام..

وقبل قليل،
تدفّقت أفكاري وأنا أحدّق في الشروق.. لقد تلى ذاك المغص القاتل اليوم الذي اكتأبت فيه بسبب جملة "٣ أيام متتابعة بلا ابتلاء..." ، ثمّ وقعت بي ليلة الأمس مصيبةٌ عظيمة، ضاق صدري حينها طبعاً، لكنّني الآن جد سعيدةٌ بها؛ لأنّه وببساطة.. من يرفُض فرصةً تقرّبه إليك؟
ياه.. أنت تُجيبني بسرعة يا الله.
كنتُ قلقلةً من أنّك ترفضني، لا تُريدني.. لا تُريد أن تبتليني لأنك لا تُحبني، أو لا تحب صوتي حيت أدعوك.. سامحني على سوء ظنّي بك.
شكراً لأنك أسمعتني (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ) وأريتنيها.
في كلّ مرة تفعل وأنسى، أنت الإله اللطيف الخبير.. أنا أحبّك.

_______
كُتِبت بدون نية نشر .

تعليقات

  1. الله! تدفق أفكار متتابع أتاني بعد قراءة تدوينتك المليئة بالابتلاءات، و شعوري بأني أبعد مايكون عن الله تخلل إليّ أكثر، ولكن أتقاس الابتلاءات بمدى إحساسنا بها وترقبنا إليها؟ أم أنها تكون أعظم وأقسى وأشدّ ألما حين نكون غارقين فيها دون أن نشعر، فنتجاوزها وننهيها دون أن تكون نتيجتنا كاملةً أو حتى أقرب إلى الكمال. عن نفسي، النوع الثاني يرعبني/يرهقني أكثر.
    _______"هذا من فضل ربي"
    "ليبلوني" : "ءأشكر أم أكفر".
    فمثلما تكون المصائب ابتلاء من الله ليرى ردة فعل عبده ويترقّب رجوعه و يختبر حبه، كذلك هي لحظات السعادة الشديدة وأيام الفرحة العميقة و الأشهر الطويلة من صفاء الذّهن وراحة البدن. والمذهل بأن ردّات فعلنا تتمحور حول الشكر والكفر، لايوجد مكانٌ للونِ الرمادي يسكن بينهم، لايوجد أيام خالية من الشكر أو الكفر، لماذا؟ لأننا ننعم في فضل الله في كل وقتٍ وحين.. فلذلك إن الموقف الحيادي الفارغ غير مقبول هنا، فدعينا نسأل الله أن نكون ممن يشكره إن مرّغ الألم وجهنا في التراب أو طارت بنا السعادة فوق السحاب!
    ختامًا:
    "ومن شكر فإنما يشكر لنفسه..
    ومن كفر فإن ربّي غنيٌّ كريم".
    ------
    (هامش):
    لطالما ماكانت الفضفضات الطويلة التي لم تكتب بنيّة النشر أصدق وأعمق من التي نخطط لها ونسهر على تراصّ كلماتها، فهل لي بلقاءٍ طويل يسمح لي بقراءة بقية مالم ينشر؟
    غدير..
    اكتبي دائمًا : سأقرأُ دائمًا.

    ردحذف
    الردود
    1. استبرق وغدير حين تتوقفان عن نشر كتابتيكما ألا تشعران أنكما تعرضاننا للحرمان مما نعشق!
      قرأت مدونة غدير فيوم و حسيت "لا ليش خلصت" لأ ني ما شبعت من كتابتها واليوم قرأت مدونة استبرق و حسيت بنفس الشعور.
      آسفه ما اعرف اعبر عن جمال حروفكم بس والله صدق لا توقفوا..

      حذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دعني أُسمِعك أخباري

بيتُنا قريب

كلام غير مُكمَل